غزة 2025: كيف غيّر هجوم أكتوبر موازين القوى وأعاد رسم خريطة العالم؟

صراع غزة بعد السابع من أكتوبر: تداعيات جيوسياسية وتغيرات في المشهد العالمي (2025)


رسم توضيحي للشاعر ويليام بليك من مجموعة أغاني البراءة، يظهر شخصية تعزف الناي مع وجود أطفال، مما يرمز إلى بداية أو تقديم بريء وهادئ.

مقدمة: يمثل هجوم حركة حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023 نقطة تحول حاسمة في تاريخ المنطقة والعالم. بعد عامين من القصف الأولي لقطاع غزة وما تلاه من أحداث، لا يزال الصراع يلقي بظلاله على المشهد السياسي والاقتصادي العالمي، ويُظهر تصاعدًا في الاستقطاب وتراجعًا في القانون الدولي. هذا المقال يستعرض التداعيات الجيوسياسية للصراع، والتغيرات في المواقف الدولية، والانعكاسات الداخلية في إسرائيل، مستندًا إلى تحليلات صدرت في أكتوبر 2025.

أبعاد الكارثة الإنسانية والسياسية


مدينة مدمرة في مشهد يوحي بالحرب والخراب، يعكس أبعاد الكارثة السياسية والإنسانية.

أفرز الصراع خسائر بشرية فادحة وتدميرًا واسع النطاق في قطاع غزة، مع اتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية. فاعتبارًا من 14 يناير 2025، قُتل ما لا يقل عن 46,645 فلسطينيًا في غزة، ويُقال إن حوالي 70% من هؤلاء القتلى من النساء والأطفال، إضافة إلى إصابة 110,012 فلسطينيًا آخرين. كما أدت الأعمال العدائية المستمرة إلى جعل الجهود الإنسانية ذات المغزى "شبه مستحيلة"، بينما تصاعد العنف في الضفة الغربية. وتبرز الاحتياجات العاجلة والخاصة بالنساء والفتيات في غزة نتيجة الصراع والتمييز الهيكلي القائم على النوع الاجتماعي، مما أدى إلى أزمة حماية ارتفعت فيها احتياجات النساء العازبات وربات الأسر والفتيات المراهقات والنساء ذوات الإعاقة والمسنات بشكل خاص، بالإضافة إلى نقص الخصوصية في الملاجئ المكتظة، ومحدودية الوصول للغذاء والماء، وصعوبة الوصول إلى مرافق صحية آمنة وكريمة، وتأثر النظافة الشخصية للدورة الشهرية. (UN Women) تجاوزت الأحداث حدود غزة، وامتدت لتشمل تدخلات إيرانية وغارات إسرائيلية في دول أخرى، مما أثار مخاوف جدية بشأن انهيار النظام الدولي القائم على القانون. تفاقم الوضع الإنساني في غزة بشكل كبير، حيث أصبحت المنطقة مسرحًا لأزمة إنسانية غير مسبوقة، بينما شهدت المنطقة تصعيدًا خطيرًا في التوترات الإقليمية.

الاستقطاب العالمي وتغير موازين القوى


صورة لكوكب الأرض يغطيه تراكب شبكي رقمي، يرمز إلى الترابط العالمي وتدفق المعلومات. يمكن أن تمثل هذه الصورة عالمًا مترابطًا وديناميكيات التحولات العالمية.

أدى الصراع إلى انقسامات عميقة داخل الدول وبينها حول الحقائق المتعلقة بالصراع والاستجابات المناسبة. على الصعيد الإقليمي، شهدنا تحولًا في موازين القوى، حيث تزايدت الضغوط على الفاعلين الإقليميين وتغيرت ديناميكيات التحالفات:

  • أُضعفت حركتا حماس وحزب الله عسكريًا وسياسيًا، فقد تعرضت حماس لخسائر كبيرة في بنيتها التحتية وقدراتها العسكرية في غزة، بينما واجه حزب الله تحديات متزايدة في لبنان مع تصاعد المواجهات الحدودية والضغوط الداخلية والخارجية.
  • واجه نظام الأسد في سوريا ضغوطًا جيوسياسية متزايدة وتأثيرات غير مباشرة ناتجة عن التغيرات الإقليمية، مما ساهم في تعميق حالة عدم الاستقرار في البلاد.
  • استمر تقييد البرنامج النووي الإيراني بفعل الضغوط الدولية والعقوبات القائمة، في سياق جيوسياسي متوتر تفاقم بسبب الصراع في غزة.
  • تراجعت قدرة الولايات المتحدة على إدارة الأحداث في المنطقة، مما يشير إلى تراجع نفوذها التقليدي، حيث أثر دعمها القوي لإسرائيل وعدم قدرتها على احتواء الأزمة الإنسانية في غزة على مصداقيتها كطرف محايد ووسيط فعال.

على الصعيد الدولي، برزت انقسامات حادة بين الغرب (خصوصًا الولايات المتحدة وأوروبا) والجنوب العالمي، الذي أعاد قراءة الصراع من خلال منظور ما بعد الاستعمار، مما سلّط الضوء على الفجوة المتزايدة في الرؤى بين الشمال والجنوب. يشير "منظور ما بعد الاستعمار" في هذا السياق إلى إطار تحليلي ينظر إلى الصراع في غزة ليس فقط كقضية راهنة، بل كاستمرار لتاريخ طويل من الهيمنة الاستعمارية وتأثيراتها على الشعوب والمناطق، ويدعو إلى فهم جذور الصراع ضمن سياق أوسع من الظلم التاريخي والتفاوت في موازين القوى العالمية.

تراجع القانون الدولي ودور الأمم المتحدة


لقطة مقربة لعلم الأمم المتحدة، ترمز إلى دور المنظمة في الشؤون الدولية.

تلقى القانون الدولي ضربة قوية بسبب الصراع في غزة، بالإضافة إلى الحرب في أوكرانيا والحرب العالمية على الإرهاب. أصبحت مبادئ مثل حماية المدنيين وتناسب استخدام القوة موضع تساؤل عميق، خاصة مع تزايد اتهامات بارتكاب جرائم حرب من كلا الطرفين. وقد تضمن ذلك تقارير موثقة عن هجمات على البنية التحتية المدنية والمنشآت الصحية، وتقييد وصول المساعدات الإنسانية من جهة، واستخدام المدنيين كدروع بشرية من جهة أخرى. هذه الانتهاكات المزعومة دفعت منظمات دولية مثل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) ومنظمات حقوق الإنسان الكبرى إلى دعوات لإجراء تحقيقات مستقلة ومحاسبة المسؤولين، كما أدت إلى إجراءات أمام محكمة العدل الدولية (ICJ).

أما الأمم المتحدة، فباتت فعاليتها موضع شك بسبب:

  • تباعد مواقفها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، مما أدى إلى تراجع الدعم لها.
  • عجزها عن فرض حلول ملزمة أو وقف إطلاق النار، بسبب حق الفيتو الذي تستخدمه القوى الكبرى لحماية مصالحها. على سبيل المثال، شهد مجلس الأمن عدة محاولات فاشلة لإصدار قرارات تدعو لوقف إطلاق النار أو إدخال المساعدات الإنسانية، حيث تم استخدام حق الفيتو من قبل بعض الأعضاء الدائمين.
  • فقدانها لمصداقيتها في أعين الدول النامية، التي تراها أداةً للغرب أكثر من كونها منصةً للعدالة الدولية.

تغير الرأي العام في الولايات المتحدة وأوروبا


الولايات المتحدة الأمريكية

تراجع الدعم الشعبي: انخفاض ملحوظ في التعاطف مع إسرائيل، خاصة بين الديمقراطيين والشباب.

نقد اللوبي الإسرائيلي: تزايد الانتقادات لدور AIPAC وتأثيره على السياسة الأمريكية.

مطالبات بالعقوبات: تزايد الدعوات لفرض عقوبات على إسرائيل أو مراجعة المساعدات العسكرية.

أوروبا

الاعتراف بفلسطين: بعض الدول الأوروبية اعترفت بدولة فلسطين بعد أحداث غزة.

تردد في الإجراءات: أغلب الدول الأوروبية مترددة في قطع العلاقات أو فرض حظر أسلحة.

غياب الدعم للملاحقات القضائية: عدم دعم مقاضاة إسرائيل في محكمة العدل الدولية والجنائية الدولية.


شهدت الولايات المتحدة تحولات جذرية في الرأي العام تجاه إسرائيل:

  • انخفض الدعم الشعبي لإسرائيل بشكل ملحوظ، خاصة بين الديمقراطيين والشباب. أظهرت استطلاعات رأي حديثة (في منتصف عام 2025) أن نسبة الأمريكيين الذين يتعاطفون مع إسرائيل قد تراجعت بنحو 15 نقطة مئوية مقارنة بما قبل أحداث 7 أكتوبر، بينما ارتفع التعاطف مع الفلسطينيين بشكل ملحوظ في الفئات العمرية الأصغر سنًا.
  • برزت حركة نقد اللوبي الإسرائيلي (AIPAC) ودوره في التأثير على السياسة الأمريكية، حيث أصبح بعض النواب يرفضون دعم إسرائيل دون قيد أو شرط. وقد تجلى ذلك في زيادة النقاشات العامة حول تمويل اللوبي للحملات الانتخابية والتشديد على ضرورة الشفافية في التأثير على السياسات الخارجية.
  • زادت المطالبات بفرض عقوبات على إسرائيل أو على الأقل مراجعة المساعدات العسكرية لها. وشملت هذه المطالبات دعوات من مجموعات حقوقية وبعض المشرعين لمراجعة شروط المساعدات الأمريكية لضمان عدم استخدامها في انتهاكات حقوق الإنسان.

في أوروبا، رغم أن بعض الحكومات (مثل إسبانيا والنرويج وأيرلندا وسلوفينيا ومالطا) اعترفت بدولة فلسطين بعد أحداث غزة، إلا أن معظم الدول بقيت مترددة في اتخاذ إجراءات ملموسة، مثل:

  • قطع العلاقات الدبلوماسية مع إسرائيل.
  • فرض حظر على الأسلحة أو الاستثمارات في المستوطنات غير الشرعية.
  • دعم مقاضاة إسرائيل في محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية.

الرأي العام الإسرائيلي والانقسامات الداخلية


صورة ليد تكتب في استبيان أو استطلاع رأي، مما يعكس مفهوم الرأي العام وتنوع الآراء المحتملة التي قد تؤدي إلى انقسامات.

كشفت الأحداث عن انقسامات عميقة داخل المجتمع الإسرائيلي:

  • الموافقة على الحرب:
    • في مدن مثل سديروت وأشدود، احتفل بعض الإسرائيليين بالقصف على غزة، مطلبين تدميرها بالكامل وتهجير سكانها العرب. تشير تقارير صحفية وتحليلات رأي عام إلى أن هذا الشعور، المدفوع بالصدمة من هجوم السابع من أكتوبر، وجد صدى واسعًا في أجزاء من المجتمع الإسرائيلي.
    • يعزز هذا الموقف الصدمة الجماعية من هجوم السابع من أكتوبر، حيث يرى العديد من الإسرائيليين أن أي تسوية مع الفلسطينيين غير ممكنة.
    • لعب الإعلام الإسرائيلي دورًا حاسمًا في تشكيل هذا الرأي، من خلال:
      • التركيز على معاناة الجنود الإسرائيليين فقط.
      • تهميش المعاناة الفلسطينية أو تصويرها كتهديد وجودي.
      • استخدام مصطلحات مثل "الحيوانات البشرية" لوصف مقاتلي حماس، مما ساهم في نزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين بشكل عام. وقد وثقت منظمات حقوق الإنسان ووسائل إعلام دولية أمثلة على هذا الخطاب.
  • المعارضة المتزايدة:
    • خرج نشطاء إسرائيليون (مثل مجموعات مثل "بريكينغ ذا ساينس" (Breaking the Silence)، وهي منظمة لجنود إسرائيليين سابقين) للاحتجاج على الحصار، مطلبين:
      • وقف ما وصفوه بـ "الإبادة الجماعية" في غزة.
      • فرض عقوبات دولية على إسرائيل.
      • الاعتراف بحقوق الفلسطينيين ووقف الاحتلال.
    • رغم أن هذه الأصوات ما زالت أقلية، إلا أنها تنمو بشكل ملحوظ بين الشباب واليسار الإسرائيلي.
  • حالة الإنكار الجماعي:
    • يعيش جزء كبير من المجتمع الإسرائيلي في إنكار للواقع، مدفوعًا بـ:
      • الصدمة النفسية من هجوم السابع من أكتوبر.
      • التاريخ الطويل من الصراع مع الفلسطينيين، الذي يُنظر إليه كصراع وجودي.
      • الدعم غير المشروط من الولايات المتحدة، الذي يعزز شعورًا بالحصانة من المحاسبة الدولية.

دور جماعات الضغط (اللوبي الإسرائيلي)


تأثير اللوبي الإسرائيلي

الدعم الأمريكي: الحفاظ على الدعم غير المشروط لإسرائيل (بما في ذلك 3.8 مليار دولار سنويًا).

منع العقوبات: إعاقة أي محاولات لفرض عقوبات أو مراجعة المساعدات العسكرية.

تأثير إعلامي وسياسي: تمويل الحملات، الضغط على وسائل الإعلام، واتهام النقاد بـ "معاداة السامية".

تآكل الفعالية

حراك مناهضة الصهيونية: نمو حركة الاحتجاجات الطلابية في الجامعات الأمريكية.

الوعي الاجتماعي: زيادة الوعي بجرائم الحرب في غزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

جيل سياسي جديد: ظهور سياسيين يرفضون ضغوط اللوبي ويتبنون مواقف أكثر انتقادًا.


أكدت التحليلات أن اللوبي الإسرائيلي (خصوصًا AIPAC) لعب دورًا محوريًا في:

  • الحفاظ على الدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، رغم التغيرات في الرأي العام.
  • منع أي محاولة لفرض عقوبات أو مراجعة المساعدات العسكرية (التي تبلغ 3.8 مليار دولار سنويًا).
  • التأثير على الإعلام والسياسة الأمريكية من خلال:
    • تمويل حملات انتخابية للمشرعين الموالين لإسرائيل.
    • ضغط على وسائل الإعلام لتجنب نقد إسرائيل.
    • تصوير أي انتقاد لإسرائيل على أنه "معادي للسامية".

مع ذلك، بدأت هذه الاستراتيجية تفقد فعاليتها بسبب:

  • نمو حراك "مناهضة الصهيونية" في الجامعات الأمريكية، حيث شهدت جامعات بارزة مثل كولومبيا وهارفارد وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA) احتجاجات طلابية واسعة النطاق ومطالبات بسحب الاستثمارات من الشركات التي تدعم الاحتلال.
  • زيادة الوعي بجرائم الحرب في غزة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مما وفر منصات بديلة للمعلومات تجاوزت الروايات التقليدية.
  • ظهور جيل جديد من السياسيين الأمريكيين (مثل الكونغرسية رشيدة طليب، والكونغرسية إلهان عمر) الذين يرفضون الخضوع لضغوط اللوبي ويتبنون مواقف أكثر انتقادًا لسياسات إسرائيل.

الخلاصة


سحابة كلمات لأقسام الملخصات في المجلات الطبية الحيوية الرائدة.

إن الأحداث التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023 قد خلفت تداعيات عميقة وطويلة الأمد، أعادت تشكيل الشرق الأوسط وأدت إلى تسريع الاتجاهات نحو عالم أكثر انقسامًا وفوضوية. من بين أبرز النتائج:

  • إضعاف القانون الدولي وزيادة انتهاكات حقوق الإنسان تحت غطاء "الحرب على الإرهاب".
  • تراجع نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة، مع صعود قوى إقليمية جديدة (مثل تركيا وقطر).
  • تعميق الانقسامات الداخلية في إسرائيل، بين من يدعون إلى "الحل النهائي" للمشكلة الفلسطينية ومن يطالبون بالسلام.
  • ظهور تحولات جذرية في الرأي العام الغربي، حيث أصبح نقد إسرائيل موضوعًا رئيسيًا في النقاشات السياسية.

يتطلب التعامل مع هذه التداعيات:

  • إعادة تقييم شاملة للسياسات الدولية، خاصة دور الأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية.
  • ضغط دولي لوقف الانتهاكات في غزة والضفة الغربية، بما في ذلك مقاضاة المسؤولين عن جرائم الحرب.
  • حل عادل وشامل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، يقوم على:
    • الاعتراف بدولة فلسطين ضمن حدود 1967.
    • ضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين.
    • إنهاء الاحتلال والاستيطان في الضفة الغربية.
    • تعويض ضحايا الحرب من كلا الجانبين.

بدون ذلك، سيستمر الصراع في تغذية الدورات العنفية، مما يهدد الاستقرار العالمي ويعمق الأزمات الإنسانية في المنطقة.

Next Post Previous Post
No Comment
Add Comment
comment url